ستي الحجة وعرفات
بقلم محمد ابو سريس 25/4/2016
لم انقطع عنها يوما فهي قامة تاريخية يشار لها بالبنان ، تجلس على سريرها الحديدي المزركش والمصنوع بمهارة عالية في عقدها المدهون باللون الابيض والنيلي تزينه الخوابي والشبابيك والابواب المقوسة ، وما زالت حتى يومنا هذا تضع الحناء على كفيها وقدميها والكحل في عينيها ـ جميلة كانت وما زالت . وما زال المذياع البني صديقها الوفي الذي يؤنس وحدتها.
عندما تسترسل في حديثها الشيق تمتشق سيجارة الفريد التي كانت قد استهلكت نصفها قبل وقت مضى وتبدأ تنفث ويعبق المكان بدخانها الزكي. واني لأعشق جلستها وحديثها الذي لا ينتهى والضارب في اعماق التاريخ من ايام الانجليز والنكبة حتى يومنا هذا فهي تتحدث في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع ، اذا استمعت لها فانها تفوق بحكمها وحكمتها ديكارت ، وميكافيلي وروسو وهوبس وابن خلدون بعظمته، وبين كل جملة والتي تليها تكون عبارة " الله يرضى عليك " حاضرة على لسانها العذب دون ملل.
يطول ويقصر الحديث الليلي مع جدتي الذي يسبب يوميا امتعاض زوجتي التي لا تمل من الاتصال بذات العبارة :"وينك؟" وتسمع نفس الاجابة : " أغوص في اعماق التاريخ" ونفس الوقت اناول الهاتف لجدتي واقول لها " زوجتي تريد ان تطمئن عليك " عندها تضطر زوجتي الى ركوب الموجة لا اعلم احتراما لها ام خوفا من سلاطة لسان جدتي.
اذكرها تماما عندما كنت طفلا والكهرباء لا تعمل الا من الساعة السادسة مساءا حتى الثانية عشر ليلا والتلفاز الابيض والاسود لا يبث لنا سوى محطتين هما عمان "واسرائيل" ويغلق التلفاز الاردني الساعة الحادية عشر ليلا والتلفزيون الاسرائيلي يبث بالعربية فقط لمدة ساعتين، كنت حينها ابن 12 عام في عام 1982 عندما كانت تأتي صورة ياسر عرفات على التلفاز تهجم على التلفاز لتقبله والدموع في عينيها ، لم اكن اعي ما يحدث ولكن جدتي ما زالت عرفاتية حتى اليوم.
تحفظ جدتي مثلا تردده على مسامعي دائما عندما نتحدث عن الوضع الكنعاني الفلسطيني وتقول لي : "دور على البيضة والبيضة عرفات" ولا اترك شاردة ولا واردة في الواقع الكنعاني الفلسطيني الا واسرده لجدتي من الانهيار القيمي وتحكم الرويبضات واللصوص والعملاء والمرتزقة والطحالب في حالتنا ، واحدثها عن الحكومة وأعمالها التي لا يشق لها غبار في قهر المواطن الا انها تصر وتقول لي " دور على البيضة والبيضة عرفات"
حيرتني تلك البيضة التي سمعت قصتها من جدتي مرارا وتكرارا حتى صرت احفظها عن ظهر قلب وتقول اصل الحكاية انه في الزمن الغابر عندما كان الجوع سيد الموقف كان الناس ينطرون الدجاجة حتى تبيض وعندما تضع بيضتها يتم خطف البيضة من قبل اصحابها لأكلها والتمتع بها، وفي احد الايام سرقت بيضة من تحت دجاجة يملكها رب اسرة لديه زوجة وابنة واربعة ابناء. فجاء الابناء الى ابيهم وقالوا لقد سرقت البيضة فقال لهم ابحثوا عنها في كل مكان ، فقالوا له : انبحث عن بيضة ؟ ونسأل الجيران عنها ؟ اتريد جلب الفضيحة لنا ؟ ولم يبحثوا عنها .
سرقت بعد ايام الدجاجة ذاتها ، فهجموا على ابيهم قائلين لقد سرقت الدجاجة فقال لهم ابوهم : ابحثوا عن البيضة ، فقالوا له نقول لك سرقت الدجاجة وتقول لنا ابحثوا عن البيضة! ولم يجدوا الدجاجة
لم يقف مسلسل السرقات فسرقت البقرة التي كانت تدر عليهم لبنا ، فجاءوا يتصايحون بأن البقرة قد سرقت فقال لهم ابحثوا عن البيضة ، فجن جنونهم ، وذهبت البقرة الى المجهول.
وتصادف بعد عدة اشهر ان كان الاخوة يعملون في حقلهم وعند الظهيرة ذهبت اختهم تحمل الطعام اليهم ، وفي الطريق اعترضها بعض اللصوص واعتدوا على شرفها ، فقامت وخلطت الطعام الذي تحمله بالتراب وذهبت به الى اخوتها ، وعندما فتحوا صرة الطعام وجدوا طعامهم خلط بالتراب فهجموا عليها فقالت لهم : لقد دنس شرفي ولن تستطيعوا رده لأنكم يوما لم تسترجعوا ولم تستردوا البيضة فكلوا التراب جزاء لكم.
وأسأل جدتي ما علاقة عرفات بالبيضة ؟ فتقول لي هل قتل عرفات نفسه؟ ام ان اليهود دخلوا وقتلوه ؟ ام ان اللي حواليه قتلوه ؟ ولا ليش لحد الان ما حد عرف كيف انقتل ؟ وكل يوم بيقولوا انو عرفنا اللي قتله وببطلوا ، يا ستي هذولا همي اللي قتلوا عرفات نفسهم اللي بتحكي عنهم الرويبضات واللصوص والعملاء والمرتزقة والطحالب، لو انعرفوا من اول يوم واتحاسبوا ان كان ماصار فينا هيك.
بقلم محمد ابو سريس 25/4/2016
لم انقطع عنها يوما فهي قامة تاريخية يشار لها بالبنان ، تجلس على سريرها الحديدي المزركش والمصنوع بمهارة عالية في عقدها المدهون باللون الابيض والنيلي تزينه الخوابي والشبابيك والابواب المقوسة ، وما زالت حتى يومنا هذا تضع الحناء على كفيها وقدميها والكحل في عينيها ـ جميلة كانت وما زالت . وما زال المذياع البني صديقها الوفي الذي يؤنس وحدتها.
عندما تسترسل في حديثها الشيق تمتشق سيجارة الفريد التي كانت قد استهلكت نصفها قبل وقت مضى وتبدأ تنفث ويعبق المكان بدخانها الزكي. واني لأعشق جلستها وحديثها الذي لا ينتهى والضارب في اعماق التاريخ من ايام الانجليز والنكبة حتى يومنا هذا فهي تتحدث في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع ، اذا استمعت لها فانها تفوق بحكمها وحكمتها ديكارت ، وميكافيلي وروسو وهوبس وابن خلدون بعظمته، وبين كل جملة والتي تليها تكون عبارة " الله يرضى عليك " حاضرة على لسانها العذب دون ملل.
يطول ويقصر الحديث الليلي مع جدتي الذي يسبب يوميا امتعاض زوجتي التي لا تمل من الاتصال بذات العبارة :"وينك؟" وتسمع نفس الاجابة : " أغوص في اعماق التاريخ" ونفس الوقت اناول الهاتف لجدتي واقول لها " زوجتي تريد ان تطمئن عليك " عندها تضطر زوجتي الى ركوب الموجة لا اعلم احتراما لها ام خوفا من سلاطة لسان جدتي.
اذكرها تماما عندما كنت طفلا والكهرباء لا تعمل الا من الساعة السادسة مساءا حتى الثانية عشر ليلا والتلفاز الابيض والاسود لا يبث لنا سوى محطتين هما عمان "واسرائيل" ويغلق التلفاز الاردني الساعة الحادية عشر ليلا والتلفزيون الاسرائيلي يبث بالعربية فقط لمدة ساعتين، كنت حينها ابن 12 عام في عام 1982 عندما كانت تأتي صورة ياسر عرفات على التلفاز تهجم على التلفاز لتقبله والدموع في عينيها ، لم اكن اعي ما يحدث ولكن جدتي ما زالت عرفاتية حتى اليوم.
تحفظ جدتي مثلا تردده على مسامعي دائما عندما نتحدث عن الوضع الكنعاني الفلسطيني وتقول لي : "دور على البيضة والبيضة عرفات" ولا اترك شاردة ولا واردة في الواقع الكنعاني الفلسطيني الا واسرده لجدتي من الانهيار القيمي وتحكم الرويبضات واللصوص والعملاء والمرتزقة والطحالب في حالتنا ، واحدثها عن الحكومة وأعمالها التي لا يشق لها غبار في قهر المواطن الا انها تصر وتقول لي " دور على البيضة والبيضة عرفات"
حيرتني تلك البيضة التي سمعت قصتها من جدتي مرارا وتكرارا حتى صرت احفظها عن ظهر قلب وتقول اصل الحكاية انه في الزمن الغابر عندما كان الجوع سيد الموقف كان الناس ينطرون الدجاجة حتى تبيض وعندما تضع بيضتها يتم خطف البيضة من قبل اصحابها لأكلها والتمتع بها، وفي احد الايام سرقت بيضة من تحت دجاجة يملكها رب اسرة لديه زوجة وابنة واربعة ابناء. فجاء الابناء الى ابيهم وقالوا لقد سرقت البيضة فقال لهم ابحثوا عنها في كل مكان ، فقالوا له : انبحث عن بيضة ؟ ونسأل الجيران عنها ؟ اتريد جلب الفضيحة لنا ؟ ولم يبحثوا عنها .
سرقت بعد ايام الدجاجة ذاتها ، فهجموا على ابيهم قائلين لقد سرقت الدجاجة فقال لهم ابوهم : ابحثوا عن البيضة ، فقالوا له نقول لك سرقت الدجاجة وتقول لنا ابحثوا عن البيضة! ولم يجدوا الدجاجة
لم يقف مسلسل السرقات فسرقت البقرة التي كانت تدر عليهم لبنا ، فجاءوا يتصايحون بأن البقرة قد سرقت فقال لهم ابحثوا عن البيضة ، فجن جنونهم ، وذهبت البقرة الى المجهول.
وتصادف بعد عدة اشهر ان كان الاخوة يعملون في حقلهم وعند الظهيرة ذهبت اختهم تحمل الطعام اليهم ، وفي الطريق اعترضها بعض اللصوص واعتدوا على شرفها ، فقامت وخلطت الطعام الذي تحمله بالتراب وذهبت به الى اخوتها ، وعندما فتحوا صرة الطعام وجدوا طعامهم خلط بالتراب فهجموا عليها فقالت لهم : لقد دنس شرفي ولن تستطيعوا رده لأنكم يوما لم تسترجعوا ولم تستردوا البيضة فكلوا التراب جزاء لكم.
وأسأل جدتي ما علاقة عرفات بالبيضة ؟ فتقول لي هل قتل عرفات نفسه؟ ام ان اليهود دخلوا وقتلوه ؟ ام ان اللي حواليه قتلوه ؟ ولا ليش لحد الان ما حد عرف كيف انقتل ؟ وكل يوم بيقولوا انو عرفنا اللي قتله وببطلوا ، يا ستي هذولا همي اللي قتلوا عرفات نفسهم اللي بتحكي عنهم الرويبضات واللصوص والعملاء والمرتزقة والطحالب، لو انعرفوا من اول يوم واتحاسبوا ان كان ماصار فينا هيك.